الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
197
مناهل العرفان في علوم القرآن
لا محالة . وإذا كانوا جميعا مؤولين فقد وقعوا جميعا فيما نهى اللّه عنه ، وهو اتباع المتشابهات بالتأويل ، إذ وصف سبحانه هؤلاء بأن في قلوبهم زيغا ، فقال في الآية السابقة . فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ . وندفع هذه الشبهة ( أولا ) بأن القول بكون السلف والخلف مجمعين على تأويل المتشابه ، قول له وجه من الصحة ، لكن بحسب المعنى اللغوي أو ما يقرب من المعنى اللغوي . أما بحسب الاصطلاح السائد فلا ؛ لأن السلف وإن وافقوا الخلف في التأويل ، فقد خالفوهم في تعيين المعنى المراد باللفظ بعد صرفه عن ظاهره ، وذهبوا إلى التفويض المحض بالنسبة إلى هذا التعيين . أما الخلف فركبوا متن التأويل إلى هذا التعيين كما سبق تفصيله . ( ثانيا ) أن القول بأن السلف والخلف جميعا وقعوا بتصرفهم السابق فيما نهى اللّه عنه ، قول خاطئ ، واستدلالهم عليه بالآية المذكورة استدلال فاسد ، لأن النهى فيها إنما هو عن التأويل الآثم الناشئ عن الزيغ واتباع الهوى بقرينة قوله سبحانه فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أي ميل عن الاستقامة والحجة ، إلى الهوى والشهوة . أما التأويل القائم على تحكيم البراهين القاطعة واتباع الهداية الراشدة ، فليس من هذا القبيل الذي حظره اللّه وحرمه وكيف ينهانا عنه وقد أمرنا به ضمنا بإيجاب رد المتشابهات إلى المحكمات ، إذ جعل هذه المحكمات هي أم الكتاب ، على ما سبق بيانه ؟ . ثم كيف يكون مثل هذا التأويل الراشد محرما وقد دعا به الرسول صلى اللّه عليه وسلم لابن عباس فقال في الحديث المشهور : ( اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ) ؟ ويتلخص من هذا أن اللّه أرشدنا في الآية إلى نوع من التأويل وهو ما يكون به رد المتشابهات إلى المحكمات . ثم نهانا عن نوع آخر منه . وهو ما كان ناشئا عن الهوى والشهوة ، لا على البرهان والحجة ، قصدا إلى الضلال والفتنة . . وهما لونان مختلفان ، وضربان بعيدان ، بينهما برزخ لا يبغيان .